الراغب الأصفهاني
311
الذريعة إلى مكارم الشريعة
فيما يحسن تناوله من المطعم وما يقبح منه الغذاء ضربان : أحدهما : ما لا يستغنى عنه في تربية البدن كالطعام الذي به يتغذى والماء الذي به يروى ، والإنسان إذا تناول من ذلك مقدار لا يمكن التبلغ بأقل منه على ما يجب وكما يجب فهو معذور بل مشكور ومأجور ، وعلى هذا ما روي عند أكل الصالحين تنزل الرحمة ، وحقه أن يتناوله تناول مضطر عالم بقذارة مآله وأن يرى إدخاله في نفسه كدخول المستراح ، ويتحقق أن نسبة الإنسان إلى الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث ، فلو نطق الشجر لقال لك أنت تأكل فضالتي كما يأكل الجعل فضالتك ، والخنزير إذا استطاب لفاظة الإنسان فما هو إلا كاستطابتنا لفاظة الشجر ، وبهذا تعلم أن شرف المطعم والمشرب بالإضافة لا بالإطلاق فألق يا إنسان عن مناكبك الدثار وجل البصيرة واستعمل الاعتبار تجد صدق ما قلت . ومن تناول من الطعام أكثر من ذلك كره له طبا وشرعا أما طبا فيدل عليه قول الشاعر : فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب « 1 » وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعود كل بدن ما اعتاد » « 2 » قال ابن ذكريا المتطبب ما ترك النبي عليه السّلام في الطب شيئا إلا وأتى به في هذه الكلمات الثلاث . وأما شرعا فقد قال عليه السّلام :
--> ( 1 ) هو لابن الرومي / ديوان ابن الرومي تحقيق د . حسين نصار / القاهرة 1973 م ج 1 / ص 231 . ( 2 ) قال الألباني : لا أصل له ، وقال بعضهم إنه مرفوع ، والغالب أنه لا يصح وقال العراقي : لم أجد له أصلا ، قال صاحب المقاصد : لا يصح رفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بل هو كلام طبيب العرب الحرث بن كلدة . فهو قول حكيم وليس بحديث . انظر / الألباني / سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة / 1 / 252 كشف الخفاء / 2 / 214 ، حديث / 2320 .